.

.

الأحد، 22 نوفمبر 2009



رجـــــال رأس البيشة

كاظم فنجان الحمامي

ارتبط عملي منذ زمن بعيد بمحطات السيطرة البحرية, ومراصد خفر السواحل, وأبراج المراقبة الملاحية الموزعة على امتداد شط العرب ابتداء من جزيرة أم الرصاص ولغاية رأس البيشة, فعمليات إرشاد السفن الأجنبية الوافدة إلينا, وتوجيهها ملاحيا عبر منعطفات الممرات المائية العراقية لا يمكن أن تتم على الوجه الأكمل من دون متابعة ودعم رجال خفر السواحل, ومن دون التنسيق معهم لاسلكيا عند التحرك في شط العرب. فآمرية خفر السواحل والمياه الداخلية من التشكيلات التخصصية التابعة لقيادة قوات المنطقة الرابعة, والتي أبلت بلاءا حسنا في النهوض بالمهمات المكلفة بها, وهي مدعوة تعبويا بقوة ساندة, مؤلفة من فوج من أفواج المشاة. ولها في رأس البيشة محطة عائمة على سطح البحر. تابعة إلى مجموعة زوارق الفاو, وتكاد تكون المحطة الأقوى والأوسع, والأكثر احتكاكا بالسفن والزوارق والقوارب المبحرة والعائدة من البحر, تراقب تحركات الزوارق المحلية, وتفتشها, وتتأكد من وثائقها, ومن أوراقها الثبوتية, وتقوم بتنظيم سجلات مغادرتها وعودتها, بينما تتعامل مع السفن الأجنبية بصيغة حضارية منسجمة تماما مع المعايير والضوابط الملاحية الدولية, فهي تستفسر منها عن اسمها, وشفرة ندائها, ورقمها الدولي, ونوع حمولتها, واسم وكيلها التجاري, واسم الميناء الذي غادرته, والميناء الذي تقصده, واسم المرشد العراقي المكلف بارشادها. سلسلة طويلة من الأسئلة والاستفسارات لمعرفة هوية السفينة الأجنبية, وتحديد جنسية طاقمها. وهذا هو ديدنها في الليل والنهار.

يعمل في هذه المحطة رجال أشداء, يؤدون واجباتهم في رحاب شط العرب, ويعيشون فوق جسم حديدي, صندوقي الشكل. عائم على وجه الماء, ومثبت في قعر البحر خلف رأس البيشة. تتلاعب بهم الأمواج, وتحاصرهم الرياح الجنوبية الشرقية بأنفاسها الخانقة. ولم تعد واجباتهم مقتصرة على حماية سواحلنا ومياهنا الداخلية من عمليات التسلل غير الشرعية، بل تعدت ذلك إلى حماية السفن والتصدي لحالات القرصنة التي قد تتعرض لها, وحراسة المراسي والمواقع الحيوية الهامة المبعثرة على ضفاف شط العرب, وحماية ثرواتنا البحرية وممراتنا الملاحية, ويلعب رجال السواحل دوراً كبيراً في عملية مراقبة المتنزهين على الشواطئ, والاشتراك بعمليات الإنقاذ والإسراع لنجدة السفن المحفوفة بالمخاطر, والإبلاغ عن كوارث التلوث البحري, ورصد الانتهاكات الخارجية في مياهنا الداخلية والتصدي لها.

واجبات متعددة ومهمات صعبة يجري تنفيذها في ظروف قاسية, تستدعي إيلاء تطوير تشكيلات خفر السواحل العراقية الأولوية في توفير الدعم والمساندة, وتعزيز دورها في حماية السواحل والمياه الإقليمية من الأنشطة غير القانونية, والتي نذكر منها نهب الثروات الوطنية وتهريبها, وغيرها من الأنشطة الإرهابية. ومنع هروب المطلوبين للعدالة خارج البلاد.
وحتى يحقق حرس الحدود مهماتهم على أكمل وجه, ينبغي تزويدهم بالزوارق البحرية المتينة والسريعة, وتزويدهم بالحوامات الحديثة الصنع, وذات الكفاءة العالية في الإبحار تحت جميع الظروف, والمجهزة بكل الوسائل الحديثة من اتصال ورصد, وأجهزة تثبيت الإحداثيات, ووسائل السلامة والإنقاذ, ومنظومات المراقبة الدقيقة جدا سواء عبر الكاميرات التلفزيونية أو عبر شبكات الدوائر الكترونية والنواظير الليلية الحديثة, وإشراكهم في دورات التأهيل البحري العالي في المعاهد التخصصية العالمية, وينبغي النهوض بمستواهم نحو الأفضل, إلى الدرجة التي تجعلهم بمستوى تشكيلات خفر السواحل في البلدان المجاورة, والذين يتلقون الآن أقصى درجات الرعاية والعناية والاهتمام من لدن الحكومات الخليجية.

الأحد، 1 نوفمبر 2009

الأعجوبة الأولى :

هناك عدد يكون نصفه وثلثه وربعه وخمسه وسدسه وسبعه وثمنه وتسعه وعشره أعداد صحيحة !
هل عرفت ذلك العدد ؟
العدد هو : ( 2520 )
تأمل : 2520 ÷ 2 = 1260
تمعن : 2520 ÷ 3 =840
تأكد : 2520 ÷ 4 =630
هل مازلت شاك : 2520 ÷ 5 = 504
هاها : 2520 ÷ 6 = 420
لعلك اقتنعت : 2520 ÷ 7 = 360
العلم نور : 2520 ÷ 8 = 315
الجهل ضلال : 2520 ÷ 9 = 280
كن صبوراً : 2520 ÷ 10 = 252
هل تعلم أن هذا العدد هو عبارة عن :
حاصل ضرب عدد أيام الأسبوع بعدد أيام الشهر بعدد أشهر السنة
انظر : 7 × 30 × 12 = 2520
عزيزي الزائر للأرقام لغة عجيبة ، فهي إذا رتبت بأشكال معينة كثيراً ما ينتج نتائج مذهلة ،

الأعجوبة الثانية :

أعجوبة الرقم 37
انظر :37 × 3 × 1 = 111
لاحظ : 37 × 3 × 2 = 222
ركز : 37 × 3 × 3 = 333
جرب البقية ولاحظ العجب

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2009

معلومات هامة من القران الكريم

في القرآن الكريم "114" سورة واكثر من ستة آلاف آية- 6236 آية- كل ذلك في "30" جزءاً ينقسم كل منها إلى "4" أجزاء يسمى كل جزء منها بـ"الحزب"، وبذلك يضم القرآن الكريم "120" حزباً.
@ عدد النقاط في القرآن الكريم "1015030" نقطة- تقريباً- أما حروفه فيبلغ عددها "323670" وتكوّن بمجموعها "77934" كلمة قرآنية.
@ كل سورة تتكون من جمل أو مقاطع يسمى كل منه آية.
@ سور القرآن الكريم "87" منها مكية و"27" منها مدنية.
@ كل السور تبدأ بالبسملة سوى سورة "التوبة" المباركة ، وسورة النمل المباركة فيها بسملتان.
@ سبع سور من القرآن الكريم تحمل أسماء سبعة أنبياء ، وهي سورة : يونس- هود- يوسف-ابراهيم- محمد- نوح.
@ أطول السور سورة البقرة المباركة بـ"286" آية وأقصرها سورة الكوثر بـ"3" آيات.
@ سورة التوحيد- الإخلاص- هي السورة الوحيدة التي تحتوي على كسرة واحدة ، هذا بغير البسملة.
@ سورة الحمد المباركة : هي أول سورة فيما سورة الناس آخر سورة ، وفقاً للترتيب المعروف في المصاحف الشريفة ، لا وفقاً لنزول السّور .. ففي هذه الحالة ستكون العلق أول السور النازلة على صدر نبينا محمد"ص" ، فيما كانت سورة النصر آخرها.
@ لفظ الجلالة "الله" جل وعلا، ورد في القرآن الكريم "2707" مرات، "980" في حالة الرفع و"592" في حالة النصب و"1135" في حالة الجر.
@ كلمة "وليتلطّف" تتوسط كلمة القرآن الكريم ، وحرف "التاء" فيها يتوسط حروفه.
@ لكل سورة في القرآن الكريم اسم خاص بها، ولبعض السور اكثر من اسم حتى أن سورة "الحمد" المباركة لها اكثر من "20" اسماً منها : الفاتحة- أم الكتاب- السبع المثاني- الكنز- الوافية- الكافية- الشافية وغير ذلك.
@ بعض السور أخذت أسماءها من الحروف المقطعة التي في أول السورة ، كما في سور طه - يس - ص- ق..... ثم إن السور والآيات المكية هي تلك التي نزلت قبل الهجرة ، والمدنية هي النازلة بعدها .. على أن بعض العلماء يعتبرون مكية الاية أو مدنيتها متعلق بمكان نزولها من غير أن يكون لذلك علاقة بالهجرة.
@ أقصر الايات هي: "يس" في السورة المسماة بهذا الاسم .. وقيل "مدهامتان" في سورة الرحمان، لكن اطول آية هي : الثانية والثمانون ! بعد المائتين من سورة البقرة.
@ تسع وعشرون سورة تبدأ بالحروف المقطعة.
@ خمس سور تبدأ بـ"الحمد لـ....." وهي : الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر.
@ سبع سور تبدأ بتسبيح الخالق جل وعلا "سبح- يسبح- سبحان" وهي : الإسراء والأعلى. والتغابن والجمعة والصف والحشر والحديد. @ ثلاث سور تبدأ بـ"يا أيّها النبي" وهي : الأحزاب ، والطلاق ، والتحريم.
@ سورتان تبدءان بـ"يا أيها المزمّل" و"يا أيها المدثّر" وهما : المزمل ، والمدثر.
@ ثلاث سور تبدأ بـ"يا أيها الذين آمنوا" وهي : المائدة ، والحجرات ، والممتحنة.
@ خمس سور تبدأ بـ"قل" وهي : الجن ، والكافرون ، والتوحيد ، والإخلاص ، والفلق ، والناس.
@ سورتان تبدءان بـ"يا أيها الناس" وهما : النساء ، والحج.
@ أربع سور تبدأ بـ"إنّا" هي : الفتح ، ونوح ، والقدر ، والكوثر.
@ خمسة عشر سورة تبدأ بصيغة القسم وهي : الذاريات ، والطور ، والنجم ، والمرسلات ، والنازعات ، والبروج ، والطارق ، والفجر ، والشمس ، والليل ، والضحى ، والتين ، والعاديات ، والعصر ، والصافات.
@ تحتوي (15) من سور القرآن الكريم على سجدة ، (4) منها واجبة وذلك في سور "حم فصلت" و"حم السجدة" والنجم والعلق و (11) مستحبة في سور الاعراف والنحل ومريم والحجّ- سجدتان- والنّمل والانشقاق والرّعد والاسراء والفرقان وص.
@ تمثل السورة جزء من آيات القرآن الكريم .. والكلمة جاءت من "سور" التي تعني الحائط الذي يحيط بالمدينة ، وبذلك تكون السورة الحصار الذي يفصل آيات معينة عن نظيراتها في سور اخرى.
@ الايات المحكمات : فهي المترابطة ترابطا وثيقا بين اللفظ والمعنى ليس فيها غموض او شبهة والمراد من ذلك الاية الواضحة التي لا يمكن حملها على معنى آخر.
@ المتشابهات من الايات : فهي التي نجد فيها غموضا أو جوانب متعددة في لفظها او معناها ، أي إنها تقبل التفسير والتأويل لاكثر من معنى ، وينبغي لفهمها بصورة صحيحة : الاستعانة بالمحكمات من الآيات الشريفة.

الخميس، 27 أغسطس 2009


من يروي عطش الــفــــــــــاو ؟

كاظم فنجان الحمامي
وأنت تنظر إلى مدينة الفاو من واجهتها المائية تبدو لك اليوم مثل وجه امرأة عجوز قابعة في كوخها القصبي البائس, وتنزوي خلف مراسي سفن الصيد المهجورة. . امرأة مفجوعة طاردتها لعنة النفط, وأفزعتها الاعتداءات المتكررة, فجلست عند بوابة الكوخ بانكسار, لتروي للناس حكايات أشرس المعارك الكاسحة, وأعنف الاشتباكات الحربية المتهورة, وتسرد لهم فصول الهجمات المتلاحقة, وما انهمر فوق رأسها من حمم الراجمات والقاذفات والقاصفات, التي نبشت بصواريخها تربة الفاو, وقلبتها رأسا على عقب, فأحرقت الأخضر واليابس, وجرفت معالم المدينة القديمة, ودمرت بساتينها, وعبثت بواحاتها المزدانة بأشجار السدر والحناء, وحولتها إلى أكداس من الرماد الأسود. لكنك إن أمعنت النظر جيدا في بيوتاتها المشيدة بعد عام 1989, والمبعثرة حول أرصفتها المحطمة ستراها مدينة يعفر وجهها غبار الصحراء, وتحاصرها المياه المالحة, وتخنقها رطوبة الرياح الجنوبية الشرقية, المشبعة بزفرات جزر المحيط الهندي, ويكاد يقتلها العطش كل يوم, ويمكنك أن تحس بهمومها ومشاكلها حتى قبل أن تطأها قدمك, فقد طوقتها المستنقعات المنتشرة هنا وهناك, بما توفره من بيئة خصبة لتكاثر البعوض والذباب, وتوالد الخنازير البرية الهائجة.
توطدت علاقة المدينة بالبحر منذ بدايات العصر السومري, وارتبط مصيرها الملاحي بشط العرب منذ قرون. واكتسبت شهرة عالمية واسعة بعد ان مر بها قابلو التلغراف المحوري الدولي الذي كان يصل أوربا بالهند, ويمر بالفاو, ثم جاسك, فكراجي, وتوسعت في شهرتها بعد عام 1923 حينما صارت مقرا لسفن الحفر المشتركة بمشروع تعميق مدخل شط العرب من جهة البحر. وهو المشروع الذي كان يعرف بمشروع السد الخارجي, والذي أسفر عن فتح قناة بحرية جديدة, قادرة على استقبال السفن العابرة للمحيطات, أُطلق عليها قناة (روكا). وهي مفردة من المفردات الانجلو هندية, التي استخدمتها شركة الهند الشرقية آنذاك لتوثيق صورة هذه القناة في ذاكرتنا الملاحية. فالروكا تعني الوثيقة القانونية المكتوبة بخط اليد, والتي ينبغي عدم المساس بحدودها, وعدم التفريط بها. وقد عثرت بنفسي على هذا التفسير من خلال تعمقي في البحث والتنقيب عن سر الاسم الغريب, فوجدته في قاموس المفردات الانجلو هندية, وهي المفردات التي كانت تتعامل بها خطوط ومكاتب الشحن البحري في حوض الخليج العربي قبل القرن الماضي.
كانت السفن الخليجية القديمة تنطلق من الكويت والبحرين وقطر والإمارات فترفع أشرعتها بوجه الريح العاتية, وتمخر عباب البحر صوب مدينة الفاو, لتجلب المياه العذبة من منعطفات شط العرب, فتملي جرارها وخزاناتها بالماء الزلال, ثم تعود أدراجها إلى البنادر التي انطلقت منها لتقوم بتوزيع المياه هناك.
هذا آخر ما تبقى من ارصفة ميناء الفاو الذي كان الملاذ الآمن لأسطول الحفر البحري .
أمـــــا اليــــوم فقد انقلبت المعادلة وصارت مدينة الفاو تروي ظمأها من المياه المستوردة من قطر والإمارات والكويت, وتعيش علــــى ماء الـ (RO), الذي تحمله الصهاريج المرسلة إليها من البصرة, فقد طغت مياه البحر على الفاو, وتغلغلت الملوحة في جداولها, وارتفعت نسبتها فوق المعدلات المرفوضة, وصار ماؤها كالسم الزعاف. . اما سفن الصيد فقد تعطلت تماما ولم تعد تمارس نشاطها البحري بسبب الحملة (الوطنية) الرامية إلى حرمان سفن الصيد العراقية من مزولة صيد الأسماك في عرض البحر.
من يصدق أن أغنى مدينة نفطية في كوكب الأرض تعيش اليوم في هذه المملحة الصحراوية الخانقة ؟؟. ومن يصدق إن أقدم مدينة مينائية عراقية تطوي الآن أشرعتها الممزقة, لتستخدمها أكفانا لتاريخها المدفون في المقبرة, التي شيدتها من حطامات السفن المصلوبة على أرصفة مراسيها البالية ؟؟. ومن يصدق إن محطة السيطرة الملاحية في الفاو, والتي كانت تتحكم بحركة السفن الماخرة في حوض الخليج برمته, وكانت برقياتها اللاسلكية المشفرة بلغة (مورس) تصل إلى مقتربات مضيق هرمز ؟؟, فمن يصدق إن هذه المحطة ترزح الآن تحت الأنقاض ؟؟, ومن يصدق إن المدينة التي كانت رمزا للعطاء والثراء باتت تستجدي العطف والإحسان من السفن الرخيصة العابرة ؟؟. ومن يصدق ان أكبر شبكات خطوط النفط في الأوبك والأوابك تمر بين منازل سكان هذه المدينة البائسة, التي صارت رمزا من رموز الجوع والعطش ؟.

من المؤكد ان جماعتنا سيتذكرون الفاو, ولكن بعد بضعة أسابيع لاستخدامها مسرحا لحملاتهم الانتحابية القادمة, ثم يسدل الستار عليها بعد انتهاء موسم الانتخابات, لتموت من العطش, وتلفظ أنفاسها الأخيرة بين دعامات الأرصفة المصلوبة على الضفاف, وتغرق في مستنقعات الملح والوحل الأسود. .

الاثنين، 17 أغسطس 2009


أول من سبر أغوار الخليج
كاظم فنجان الحمامي
كانت سواحل العراق الجنوبية منطلقا لفرق المسح الهيدروغرافي, التي رسمت معالم المسالك الملاحية الأمينة, من مضيق (هرمز) وحتى (القرنة) حيث اقتران دجلة بالفرات. . فرق تحملت أهوال البحر, ومزاجه المتقلب, وبيئته القاسية. أخذت على عاتقها تحديد المسارات الصحيحة, التي ينبغي أن تسلكها السفن في طريقها نحو كل المرافئ والبنادر الخليجية. وتفننت في غرس فنارات الاسترشاد في أعماق الممرات الضيقة. ونجحت في تأثيث القنوات الضحلة بالعوامات والإشارات الملاحية. وأبدعت في نصب نقاط التثليث, وعلامات التسوية على ضفاف شط العرب وخور عبد الله. .
رجال امتزج عرقهم بأطيان الشواطئ الخاوية. وذوت أعمارهم في غياهب الأغوار السحيقة. وتبددت أحلامهم فوق الأمواج الصاخبة. وغاصت سيقانهم في أوحال الأنهار. ومشوا حفاة الأقدام بين أحراش القصب والبردي. وخنقتهم رياح (الكوس) المشبعة برطوبة المحيط الهندي, ومزقت أجسادهم ملوحة البحر. لكنهم تحدوا الصعاب. وصمدوا بوجه الظروف القاهرة. وتركوا لنا سفرا خالدا, مفعما بالوفاء والعطاء, ومعطرا بعبق رائحة البحر, ومنقوشا على مسطحاته المترامية الأطراف. .
كانوا يستخدمون الطرق البدائية في سبر الأعماق. ويستعينون بالأساليب التقليدية في الاستدلال على إحداثيات المواقع. ويهتدون بالحسابات الرياضية المضنية في حل المعضلات الهندسية. ومع ذلك نجحوا في مسح قيعان الخليج, وجالوا في أخاديد دلتا شط العرب. وكانت لهم الريادة في تشخيص ملامح السواحل. والتعرف على الممرات البحرية. ورصد تياراتها المائية. وتدوينها على خرائط كنتورية, مؤطرة بخطوط الطول والعرض. وموضحة بمقاييس الرسم. وتركوا لنا مكتبة عامرة بالخرائط والمخططات, والدراسات البحرية والنهرية. .
استقروا منذ بداية القرن الماضي في مدينة (الفاو). وانطلقوا من هناك في كل الاتجاهات المتاحة لهم. وارتبطوا فيما بعد بسلطة الموانئ العراقية. ورافقوا سفن الحفر المكلفة بتهذيب القنوات البحرية المؤدية إلى الموانئ الواقعة على شط العرب, وأزالوا الأطيان والترسبات الغرينية من قناة الروكا. وانيطت بهم مسئولية مراقبة تردي الأعماق بفعل الترسبات الهائلة, التي منيت بها شرايين العراق الملاحية. .
واكبوا عمليات حفر قناة (السد الخارجي Outer Bar). وقناة (السد الداخلي Inner Bar). وقناة (مدخل الفاو Fao Reach). وأسسوا قواعد أبراج فنارات التطابق, وحددوا خطوطها الوهمية. وواظبوا على صيانة قناة (سد كارون Karun Bar) في مواسم الفيضان. وحددوا مواقع الأرصفة المينائية. ونشروا مقاييس المد والجزر في الأماكن الحساسة. ووزعوا العوامات الملاحية على امتداد الممرات المخصصة للسفن. وشهدوا ولادة نهر (شط البصرة), وربطوه بخور الزبير. ونفذوا مشاريع صيانة السواحل العراقية. ورصدوا مناسيب المياه في كل المواسم. وكان لهم قصب السبق في الإبداع والتميز, فنالوا ارفع الدرجات المهنية في تخصصهم. وشهد لهم العالم كله بحسن الأداء, ودقة البيانات, ورصانة المعلومات. .
رجال أفذاذ تعاقبوا على رئاسة الفرق الهيدروغرافية والهيدرولوجية. وطبعوا بصماتهم في ذاكرة الطين والماء. .
مازالت آثارهم شاخصة في منعطفات شط العرب, ومقتربات خور عبد الله. آثار تحكي قصة الكفاح المرير في تعبيد الطرق البحرية فوق المسطحات الزرقاء. تجدهم في سيحان, والهارتة, والدورة, والمخراق, والواصلية, واللباني, والصنكر, والسراجي, والمعقل, ورأس البيشة, والهاتف, والقصبة. .
ومازالت صورهم مرتسمة على ضفاف الشواطئ المزدحمة بغابات النخيل, وتنبعث من رمال أم قصر وخور (السقة), وخور (بحرة), و(وربة). .
صور رائعة لقوافل المبدعين والمتميزين. اذكر منهم : مهدي موسى, ومحمد الحبوبي, وحسن محمود, وعبد المجيد محمد حسن, والكسندر فرجيبيان. ويوسف العامر. .
وتصاعدت وتيرة المسوحات البحرية على يد (فريد يوسف البسام). ذلك الرجل الحجازي القادم من قلب الصحراء العربية. فأضاف بخبرته المعهودة لمسات جديدة, أسهمت في توسيع آفاق المسوحات المائية, في خضم الكثافة المرورية, التي رافقت الحركة الملاحية شمال الخليج العربي. .
ثم جاء بعده (طالب جاسم محمد) ليكمل المسيرة بخطوات متصلة بجسور الماضي المزدهر. وتلاه (عيسى جاسب الطوب). ثم (عبد الرزاق جاسم). ومازن خريبط الخيون. وينهض بها الآن شاب طموح, هو سمير عبد علي مرزوق. .
كانت سفينتهم التي حملت اسم (الفاو) من أجمل السفن التخصصية. أنها سفينة رشيقة البدن. أنيقة المظهر. مغزلية القوام. تنساب في إبحارها, وتتبختر في مناورتها. وكأنها يخت ملكي صغير يعوم في فردوس الرافدين. أو عروس سومرية. أو مهرة عربية أصيلة, مزينة بالأنوار البهيجة, والصواري المتسامقة. تهابها السفن التجارية, وتغار منها النوارس والمراكب المحلية.
فخصصت لها إدارة الموانئ العراقية رصيفا معزولا عن بقية السفن الخدمية. خوفا عليها من أن تصاب بخدش بسيط يشوه طلعتها البهية. ثم صارت رمزا من رموز الطوابع البريدية في عدة إصدارات محلية. .لكنها للأسف الشديد تنزوي الآن بين السفن المحطمة. وترقد بين الزوارق المهملة. على الرغم من ماضيها الحافل بالنشاط الملاحي. وعلى الرغم من احتفاظها بنكهة الأجداد والآباء, الذين ساهموا في تدوين تاريخنا البحري.
وارى انه ينبغي علينا التفكير بجد في إعادة تأهيلها, وتحويلها إلى متحف بحري عائم. يعيد إلى الأذهان تلك الصور الرائعة من تراثنا البحري العريق. .

الأحد، 9 أغسطس 2009

من درر الامام علي عليه السلام

الأمانـيُّ حُلُـومٌ كاذِبَـةٌ
المَوَدَّةُ أقْرَبُ الرَّحِمِ
الدَّهْرُ مُوَكّلٌ بِتَشتُّتِ الآلاف
الكُتُبُ بَساتينُ الْعُلَماءِ
الصَّبْرُ عَلى مَضَضِ الْغُصَصِ يُوجِبُ الظَّفَرَ بِالْفُرَصِ
الصَّديقُ مَنْ كانَ ناهِياً عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوانِ مُعيناً عَلى الْبِرِّ وَالْإِحْسانِ
المُؤْمِنُ نَفْسُهُ أصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ و هُوَ أذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ
الدُّنْيا غُرُورٌ حائِلٌ و سَرابٌ زائِلٌ و سَنادٌ مائِلٌ
الْكَريمُ يَرى أنّ مَكارِمَ أفْعالِه دَيْنٌ عَلَيْهِ يَقْضِيه
الحِكْمَةُ شَجَرَةٌ تَنْبُتُ فِي الْقَلْبِ و تُثْمِرُ عَلى اللِّسانِ
الرِّضا بِالْكَفافِ خَيْرٌ مِنَ السَّعْيِ فِي الْإِسْرافِ
الجَزَعُ لا يَدْفَعُ الْقَدَرَوَلكِنْ يُحْبِطُ الأَجْرَ
السَّعيدُ مَنْ خافَ الْعِقابَ فَآمَنَ و رَجَا الثَّوابَ فَأحْسَنَ
الصَّمْتُ يُكْسيكَ ثَوْبَ الْوَقارِ و يَكْفيكَ مَؤُنَةَ الْإِعْتِذارِ
الْمُؤْمِنُ مَنْ إِذا سُئِلَ أسْعَفَ و إِذا سَأَلَ خَفَّفَ
الدُّنْيا مُنْتَقِلَةٌ فانِيَةٌ إنْ بَقِيَتْ لَكَ لَمْ تَبْقَ لَها
الْإِيمانُ شَجَرَةٌ أصْلُهَا الْيَقينُ و فَرْعُهَا التُّقى و نَوْرُهَا الْحَياءُ و ثَمَرُهَا السَّخاءُ .
الصَّديقُ أَفْضَلُ عُدَّةً وَأَبْقى مَوَدَّةً